إخوان الصفاء

308

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

من الوعد والوعيد ، ومما تكسر به الأخلاق الرديئة والأفعال القبيحة من المقاومة لها بأضدادها من الأفعال الجميلة ، كمن يقهر الحدّة التي هي من قوى النفس الغضبية التي تسمى النفس الحيوانية بالحلم الذي هو من قوى النفس الناطقة ؛ ويقهر العجلة بالأناة ، والشهوة بالعفة ، وسائر الأخلاق الرديئة بالأفعال الجميلة المحمودة . ورأينا ما تؤثر أيضا النفس الناطقة في النفس الشهوانية ، ولا سيما إذا استعانت الناطقة على الشهوانية بالنفس الحيوانية التي تسمى الغضبية بقهرها لها بها وبقمعها حتى تنقاد لها وتذلّلها وتقيمها على الاعتدال في سائر أحوالها ، حتى لا تخرج عن العدل وعمّا توجبه السياسة الفلسفية والأوامر والنواهي الشرعية والسنن الدينية ، حتى لا تدعها تخرج عن ذلك ولا تجاوزه إلى ما لا يحلّ في الشريعة ، ولا إلى ما لا يجوز في العدل عند الفلاسفة . ثم قد رأينا أيضا ما تؤثر النفس الناطقة في النفسين البهيميتين : أعني الغضبية والشهوانية اللتين في الحيوان بما قد استخرجته من الأسباب المؤثرة فيها كالزجر ، وما تفعله من الزجر في نادي الحيوانات كما يفعله الرائض بالخيل وتذليله لها للركوب ، وغير ذلك كما يفعله الفيّال بالفيل من رياضته وتذليله ، وغير ذلك مما تجذب به النفس الناطقة النفس البهيمية إلى تدبيرها وسياستها ، وكما يفعل الصفير للخيل والبقر عند شربها ، والحداء للجمال وغيرها وما يفعلونه إذا أرادوا حثّها على السير أشاروا إليها بإشارات قد عودوها إيّاها حتى تنقاد لهم إلى ما يريدونه منها ، وما يفعلونه إذا أرادوا منها أن تقف وتمسك عن السير أمسكت ووقفت لهم ، ونفوسها تقبل هذه الإشارات المختلفة على اختلاف طبائعها . والزجر للخيل والبغال والحمير غير الزجر للإبل والبقر والغنم ، وكل جنس من هذه وكلّ نوع منها يراض بإشارة ما غير الأخرى تؤثّر فيه تلك الإشارة ويكون خاصة فيها ، فتؤثر تلك الإشارات المختلفة في أنفس الحيوانات ، وتقبلها منهم أنواع الحيوانات قبولا ظاهرا واضحا على اختلاف طبائعها ، وتقهرها النفوس الناطقة وتجذبها إلى ما تريد منها على اختلافها كاختلاف تأثيرات